إيران: العقوبات فرصة الحرس الثوري للهيمنة على الاقتصاد

image

23 يناير 2016

لندن ‘القدس العربي’ من : يمكن دراسة العقوبات الإقتصادية الغربية على إيران من زوايا مختلفة خاصة في السنوات الأخيرة من رئاسة أحمدي نجاد، حيث سببت هذه العقوبات توافقا وشراكة بين خامنئي ورفسنجاني المدعوم غربياً على الصعيد الداخلي، وعلى صعيد الإقليمي وصل الغرب وإيران إلى إتفاق إستراتيجي شامل بعد سلسلة من المفاوضات السريّة أثارت جدلاً واسعاً وأصبح التعاون بين الغرب وإيران علنياً.
تم تحليل جزءً من الآثار والجوانب الخطيرة لهذا الإتفاق الإستراتيجي من قِبَل المحللين ووسائل الإعلام، ومع ذلك لا تزال العديد من جوانب هذا الإتفاق غير معروفة للكثيرين. ولعلّ إحدى هذه الآثار، تعزيز هيمنة الحرس الثوري على إقتصاد البلد.
وبدأت الأنشطة الإقتصادية للحرس الثوري ووزارة الأمن الإيرانيتين منذ إنتهاء الحرب الإيرانية العراقية. فقد سبب إزدياد الفساد الإقتصادي وإضعاف القطاع الخاص سوء إستخدام الإمكانيات لهاتين المؤسستين. واستخدمت هاتين القوتين أساليب غير قانونية لإرضاخ الجهات المعنية لتأمين مطامعها الإقتصادية ولم تحترم القوانين والأنظمة التي تحكم الأنشطة الإقتصادية. وأيضاً أصبح النظام الإيديولوجي والمذهبي حافزاً لمزيد من الفساد وخلق الأداء الإقتصادي للحرس مناخاً ملائماً لإزدياده.

إزدياد الإختلافات

أدت القدرة الإقتصادية للحرس ودوره السياسي الأمني في حماية الولي الفقيه، إلى تدخّل الحرس الثوري في الخلافات الداخلية للحكومة. وكان أول تدخُّل صريح الحرس الثوري الرسالة التهديدية لـ24 من قادته إلى محمّد خاتمي في عام 1999م. وإنتقد الإصلاحيون وأنصار خاتمي هذا التدخُّل بشدة، ولكن كان من الواضح تماماً أن دخل الحرس إلى الساحة السياسية الداخلية كعاملٍ حاسمٍ.
ووصل الإختلاف في الآراء عن دور الحرس إلى نقطة، حيث طرح المجلس الإيراني قضية التحقيق عن المؤسسات الإقتصادية ألتي تُدار من قِبل المرشد. ومع ذلك، لم تفلح محاولات مجلس الشورى بسبب مقاومة خامنئي ضد هذا التحقيق، ولكن أعلن مهدي كروبي، رئيس المجلس، بصراحة وعلانيّة أن الحرس يسيطر على 60 واجهة بحرية غير مصرح بها في جنوب البلاد ويستورد من خلالها الجزء الأكبر من الواردات غير الشرعية للبلد التي لم تُدفع ضريبتها.

التمهيد شبه
القانوني للسيطرة الكاملة

تُعتبر الشركات التابعة لوزارات النفط، الطاقة، الإتصالات، المناجم وكذلك مؤسسة الضمان الإجتماعي والتأمين وفقاً لمادة 44 الدستور الإيراني جزءًا من الثروة الوطنيّة التي لا يمكن نقلها للقطاع غير الحكومي. ولكن فسر خامنئي هذه المادة من الدستور مخالفاً لنصها وصيغتها وفتح مجالا شبه قانوني لنقل الصناعات الوطنيّة والرئيسية إلى الشركات التابعة للحرس. والمرشد وظّف حكومة احمدي نجاد لتطبيق سياسته الجديدة المخالفة للدستور وبيع الثروة الوطنيّة دون مقابل حققي.
مع إرتفاع مستوى العقوبات الإقتصادية في الولاية الثانية لرئاسة نجاد، إزدادت سرعة نقل الشركات الوطنيّة إلى الحرس وإختار نجاد وزراءه الرئيسيين (كالنفط، الطاقة والإتصالات) من بين قادة الحرس لتطبيق تركيبة حكومته مع هذه السياسة وتمهيد الأرضية المناسبة. ولكن إزدادت إحتكاكات نشاط الحرس مع حكومة أحمدي نجاد لاسيما الأنشطة الإقتصادية وتصاعدت وتيرة الإختلافات بينهم إلى درجة أن وصف نجاد قادة الحرس الثوري بـ’الإخوة المهربين’ الذين يمتلكون الواجهات البحرية غير الشرعية لإستيراد البضائع. بعد هذه التصريحات اللاذعة، أنكر بشكل ضمني محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري، تصريحات نجاد وقال:’لا يتم النشاط التجاري في هذه الواجهات البحرية’.

المقاول أقوى من الحكومة

وظّفت حكومة نجاد بورصة البلد لنقل الشركات الوطنيّة للحرس وحوّلتها إلى وسيط مسيطَر عليه لتطبيق السياسات الإقتصادية التي يأمر بها المرشد. على سبيل المثال وليس الحصر، امتلكت ‘مؤسسة التعاونية للحرس′ 51′ من أسهُم شركة الإتصالات الوطنيّة في مبادلة صورية في بورصة طهران. وباعت باقي أسهمها لـ’شركة الإستثمار والتــمــــويل مهر إقتصاد الإيرانيين’ الــتــابعة لـ’الباسيج الحرس الثوري’.
وكشفت صحيفة القدس الإيرانية عن وجود 212 واجهة بحرية غير شرعية وأيد معاون ‘مؤسسة مكافحة تهريب البضائع والعُملات’ وجود 167 منها. وفي نفس السياق أشار رئيس منظمة الشؤون الضريبية الإيرانية لأكبر عقبة أمام زيادة الإيرادات الضريبية، أي الواردات غير الشرعية، وقال: ‘ما يقارب من 26′ من إقتصاد البلد غير مكشوف ولا يمكن أن تأخذ الضرائب منه’. علي رضا نادر، محلّل مؤسسة ‘RAND Corporation’ ايضاً يقول: يستولي الحرس الثوري على 68′ من صادرات إيران.
وأعلن ابوالفضل مظفري، قائد مؤسسة خاتم الأنبياء التابعة للحرس، عن تخصيص 8′ من ميزانية تنمية البلد لهذه المؤسسة في سنة 2012م. وكشف موقع ‘الف’ القريب من أحمد توكلي، وهو مندوب في مجلس الشورى، أنه تم تخصيص 12.800 مشروع حكومي كبير للحرس. على سبيل المثال، يعمل الحرس الثوري لإنشاء خطوط أنابيب إنتقال النفط والغاز بطول 3500 كم، و 1000كم من خطوط أنابيب إنتقال المياه، 250 كم نفق انتقال المياه، 160 كم مترو الأنفاق و 1500 كم طرق سريعة ومشاريع كثيرة أُخرى.

زيادة غير مسبوقة
في الفساد الإقتصادي

فقد وضعت منظمة ‘الشفافية الدولية’ إيران في المركز التاسع قبل الأخير في تقريرها السنوي عن الفساد. ويوضح هذا التقرير زيادة نسبة الفساد في فترة 8سنوات من حكومة احمدي نجاد إلى ضعفين. ويقول هادي كحال زاده، خبير في شأن الإقتصاد الإيراني، وصل معدل البطالة إلى أكثر من 20′ في فترة حكومة نجاد وتحتاج 62 مليون من مواطني البلد إلى خدمات الدعم الحكومي.
وفي الخبر الملفت للأنظار الذي نشرته وكالة الأنباء الطلابية الإيرانية، ايسنا، أيد غلام حسين محسني، المدعي العام و المتحدث بإسم القضاء الإيراني، وجود شراكة عمل بين الحرس الثوري ووزارة الأمن مع بابك زنجاني المتورط في ملفات الفساد الإقتصادي في حكومة أردوغان.
طلب حسن روحاني مؤخراً من الحرس أن تقتصر أنشطته الإقتصادية على عدد أقل من المشاريع الكبرى حتى يُفتح المجال لنشاط القطاع الخاص. ولكن في نفس الوقت، تروِّج الحكومة الإيرانية عن خطة إنقاذ البلد من الأزمة الإقتصادية التي تُسميها ‘إقتصاد المقاومة’ حتى يتمكن الحرس الثوري من تعزيز قبضته على الإقتصاد و إستمرار أنشطته.

النتيجة

يستحيل أن يترك الحرس النشاط الإقتصادي، مثلما يستحيل أن يتغير حاكم فاسد في ليلة واحدة و يصبح عابداً زاهداً. بالتأكيد لن يتخلى الحرس الثوري عن الأرباح، الإمكانيات، الإمتيازات الإقتصادية الخاصة ورأس مال الهائل الذي إكتسبه طوال 25 سنة من النشاط المستمر.
ومن ناحية أُخرى، لا يمكن إستبدال دور الحرس في المشاريع الكبرى تحت ظل الظروف الحالية. لم تتمكن الشركات الدولية من أن تدخل في الإقتصاد الإيراني بسبب العقوبات الإقتصادية، و المستثمرون المحليون ليسوا على إستعداد للإستثمار في المشاريع الداخلية نظراً للظروف الضبابية الحالية والمخاطر الاقتصادية في الوضع الحالي.
بناءً على ما قيل، لم تؤد العقوبات الإقتصادية إلى تقويض التيار المتطرف في إيران، بل عزّزت قبضتهم على البلد يوماً بعد يوم. وعلى العكس من ذلك، قد أضعفت إقتصاد المواطن والطبقة الوسطى بشكل كبير.
ونظراً للتعاون الغربي الإيراني المستمر، يتضح تماماً للمتابع أنه يوجد تنسيق كامل بين الغرب وإيران حتى في توقيت تطبيق وتشديد العقوبات الغربية على إيران.

نقلا عن القدس العربي
WordPress Lightbox Plugin
WordPress Lightbox Plugin